محمد جمال الدين القاسمي
391
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
أقول : إن استدلال الفرقتين على مدعاهما وقوف مع عموم اللفظ . إلا أن الآية الكريمة بمعزل عن إرادة خلافة السلطنة والملك . المراد بالعهد ، تلك الإمامة المسؤول عنها . وهل كانت إلا الإمامة في الدين وهي النبوّة التي حرمها الظالمون من ذريته ؟ كما قال تعالى : وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ولو دلت الآية على ما ادّعوا لخالفه الواقع . . . فقد نال الإمامة الدنيوية كثير من الظالمين . فظهر أن المراد من العهد إنما هو الإمامة في الدين خاصّة . والاحتجاج بها على عدم صلاحية الظالم للولاية تمحل . لأنه اعتبار لعموم اللفظ من غير نظر إلى السبب ولا إلى السياق ، أو ذهاب إلى الخبر في معنى الأمر بعدم تولية الظالم . كما قاله بعضهم . وهو أشد تمحلا . ومعلوم أن الإمام لا بد أن يكون من أهل العدل والعمل بالشرع ، كما ورد ، ومتى زاغ عن ذلك كان ظالما ، والبحث في ذلك له غير هذا المقام . وبالله التوفيق . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 125 ] وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( 125 ) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ أي الذي بناه إبراهيم بأم القرى . وهو اسم غالب للكعبة . كالنجم للثريا مَثابَةً لِلنَّاسِ مباءة مرجعا للحجاج والعمّار ، يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه . ومثابة مفعلة . من « الثوب » وهو الرجوع تراميا إليه بالكلية . وسر هذا التفضيل ظاهر في انجذاب الأفئدة وهوى القلوب وانعطافها ومحبتها له . فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد فهو الأولى بقول القائل : محاسنه هيولى كل حسن * ومغناطيس أفئدة الرجال فهم يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار . ولا يقضون منه وطرا . بل كلما ازدادوا له زيارة ، ازدادوا له اشتياقا . لا يرجع الطرف عنها حين يبصرها * حتى يعود إليها الطرف مشتاقا فلله كم لها من قتيل وسليب وجريح ! وكم أنفق في حبها من الأموال والأرواح ! ورضي المحب بمفارقة فلذ الأكباد والأهل والأحباب والأوطان ، مقدما بين